الاثنين، 15 فبراير، 2016

الكوميديان الآلي

"هذا العالم كوميديا للذين يفكرون ..ومأسأة للذين شعرون"

                                              هوارس والبول.. كاتب انجليزى..


تحسس العجوز الماء  الحارق الذى حط على وجنته،إنه المطر الحامض مرة آخرى،صفعة السماء على ما أقترفناه فى حقها من تلوث كيميائى ونووى .

-"بل هى تبصق عليكم يا غجر".
وُلد التعليق المتهكم من العدم بغتة،وكأنها لسعة سوط برقت من اللامكان.

أغمض المتسول عينيه بقوة،وهو يزجر الصوت الخفى:

-اخرس يا ابن المقرف.

الرصيف حول العجوز خاوٍ و بارد،فيعجز الرائى أن يعرف:مع من يتحدث؟!

أضواء الليزر ترصع جبين المدينة،فتصنع بانوراما مبهجة تجاهلت المنسيين من البشر أمثاله،انعكس الضياء على عيونه الزائعة،واضح أن مصدر الصوت لم يكن فى صدر أولوياته،المهم الآن،أن يصل إلى المُحتضن الذى يحتمى تحته من المطر.

حاول المتسول العجوز النهوض دون جدوى،فمفاصله المتيبسة كان لها رأى آخر.

زحف على أربع حتى بلغه،دس نفسه أسفل مظلة صندوق القمامة،والتى بدأت تُفرد آليًا فوقه هذه اللحظات،و..

مرة آخرى،أندلع الصوت القادم من العدم:

-نعم،مخز بالفعل أن صندوق القمامة –وحده- هو منقذك فى مثل هذه الظرف،والذى يمنع قروح المطر الحمضى من ترك توقيعه على جلدك.

آثر المسن تجاهله،وهو يغوص بظهره فى الجدار،يقلب بصره فى الرصاص المصبوب الذى ينهمر من السماء.

- ألا تلاحظ شيئًا يا أبو صلاح؟!(الصوت اللاذع مرة آخرى).

-وكيف لى أن ألاحظ شيئًا،وأنت تصدع أم رأسى طوال الوقت؟!(العجوز بمقت).

-هئ هئ ،إنهم يخشون على سلة المهملات الآلية،فتهبط عليها مظلة آلية تحميها أوقات المطر.

أما أنت فأرخص من أن يهتم بك أحد،أن لا تساوى لديهم صندوق قمامة.

-اخرس يا عبد الموجود،اخرررررررس.

هدر العجوز بإجابته المهتاجة،وهو يتجاذب ياقته المهترئة أصلًا،و يخمش لحم وجهه ثم تطورت المعركة الطريفة إلى بدئه فى ضرب نفسه.

لطمات عديدة وجّهها لفكه،جبينه،بطنه.

وكأنما ينتصف من شيطان،يرقد تحت جلده.

الآن،اتضحت هوية المتحدث الآخر،إنه العجوز يحاور نفسه على طريقة المتكلمين من البطن.

دقائق،وسقط المسن على ظهره أسير الانهاك،هتف بعينين تدوران فى محجرهما:

-تعلم أن ..الشئ الوحيد الذى جعلنى.. رخيصًا..هو تمسكى بك..

(الكلام من البطن) أسلوب موغل فى القدم،استخدمه سحرة المسارح،يتحدثوا به دون تحريك شفاهم،فيوحوا للجمهور بأن آخرين هم من يخاطبوهم.

هذا الفن العتيق هو وسيلة الرجل فى الشحاتة،وهو –للأمانة- يتقنه إلى أبعد الحدود،يتقنه لدرجة أنه تحول معه إلى فصام،انقلب(عبد الموجود) من شخصية ابتكرها،إلى (آخر) مشاكس ينغض حياته.

المارة على مبعدة يتابعوا هرولتهم بصورة طبيعية،الأغلبية يرتدون شمسيات مغنطيسية،أما المرفهون منهم فتحيط بهم دائرة الحماية الكاملة.

وهكذا نرى زخات المطر المهلك ترتد قبل وصولها إلى الأجساد،فتكون حولهم هالة وقائية شفافة.

ملائكة؟!

أجل،لكم يبدون أشبه بالملائكة،خصوصًا إذا أضفنا إليها بشراتهم الناصعة وأزيائهم الضوئية.

تابع أصحاب البراءة المزيفة حركتهم،يحدوهم الطقس المقبض على الإسراع.

وبالتالى ، ما كان للحاوى العجوز ورفيقه أن يتسللا إلى دائرة انتباه أحدهم.

نادى العجوز عبثًا:

-حسنة لله،اعطونا مما أعطاكم.....

قاطعه عبد الموجود:

-نعم،فهذا الرجل لم يتناول طعامًا ربما منذ آخر مرة وصلنا فيها إلى كأس العالم.
واحدًا فقط من المارة انتبه،فتوقف،فحوّل مساره إلى العجوز بمشية متأنية،التحم وقع خطواته مع صوت نقرات المطر.

بتر العجوز مناكفته مع عبد الموجود،واستقام عن استناده على صندوق القمامة.

حاول تمييز القادم،لكن للأسف،لم تسعفه عيناه التى كلّتا بفعل عوامل الزمن والتعرية و المياه الزرقاء.

استمر الظل فى التوجه نحوه،الآن تبين أنه قصير وضئيل نوعًا،مشيته جامدة نوعًا.

كلا،إنه ليس من رجالات الشرطة الآلية،وإلا لأبصر زيهم الفسفورى الذى لا يخطئ لمعته تحت أضواء هذه المدينة القاسية.

توقف القادم على بعد مترين،ثم مد يده ببطء إلى العجوز.

اشتم العجوز رائحة ما فى الكف الممدودة،إنها شطيرة تُقدم له من كف طفلة صغيرة.

ألتقط الشطيرة ببطء درامى،أخيرًا انتبه إليه أحد فى وسط موج الزحام الموحش،والمطر الأكثر توحشًا.

عند لحظة معينة انتهى دور الدراما، فتطاير لعابه ليغطى العاصمة بأكملها بينما ينقض على الأكل كالديناصور.

عندما أنتهى،أراد أن يشكر الفتاة على طريقته،فألقى على مسامعها أطرف المسرحيات القصيرة التى يعرفها،وهو يتنقل بين تقمص هذه الشخصية وتلك.

- ههههه،أنت خفيف الظل جدًا يا عمو؟!

-اخبرى عبد الموجود فهو ينكر ذلك.

أنطلقت ضحك بريئة من الطفلة،حتى وجدت شفتى العجوز تنطبقان،بينما صيحة عبد الموجود اللاذعة هى التى تنقض:

- لو أنك فالح حقًا،لما تدهور به الحال هكذا، فانتقل تحت أضواء المسارح ،إلى تحت مظلة –ولا مؤاخذة- القمامة.

احتد صلاح بكلمات كالرصاص:

-لا تصدقيه.

فى اللحظة التالية،تلاشت غبار الحدة عن وجهه كأن لم يكن،ضم ياقتيه يفتعل وجاهة غير موجودة:

-فى مقابل بطاقة عملة إلكترونية،يستطيع عمو (صلاح)أن يلقى على مسامعك نكاتًا حتى الصباح.

شاء الحاوى ألا يترك لزبونه فسحة للتردد،فنفخ صدره بهواء الفخر:

-نعم،لا يغرنك منظرى الرث،فأنا أحب التواضع بطبعى،أما فى الماضى،كان الأمر مختلف،حملت لافتات الليزر حروف اسمى،لطالما وقفت على المسرح،وقطع الجمهور أيديهم من التصفيق..لى.

أختفى العالم من حول العجوز،ولم يعد يرى سوى ومضات الماضى،وانعكاس الأضواء على وجهه،وصيحات الجمهور تهتف له،و باسمه.

حفر عدم التصديق لمساته على وجه الطفلة:

-حقًا؟!

ثم صفق كفاها على لحن المرح الذى طال ملامحها:

-أستطيع أن أنقدك ما طلبته،على أن تحكى لى من أنت حقًا.

رسم المتسول 111 بين عينيه:

-إذا كنتِ تحبين الضحك،أما قصة حياتى،فليس بها ضحك إطلاقًا.

-لكننى أحب أن سماعها.

أقترن صوت الصبية ببطاقة مفضضة وضعت فى حجره،تساقطت عبرات ساخنة من عينى المسن لتسقط على بطاقة العملة.

- حسنًا،ليس من المعيب أن يتاجر بأحزانه،فزمننا جعلنا نبيع كل شئ،و..

                                              ******
قدم مدير المسرح الضيف الجديد:

- (فبراير)،هذا من سيشاركك نمرتك يا صلاح.

ثم لم يلبث أن اشتعل التفاعل الإنشطارى المتحمس من المدير:

- تخيل الإمكانيات التى سيضيفها للعرض،قدرات اللامحدودة فى تقليد كل الشخصيات السينمائية،كل مشاهير الآليين سواء،عسكريين،أو علماء،أو رجال أعمال،إلخ.

كما يمتلك مجسات تقيس تفاعل الجمهور،وبناء عليه،يستعين برقاقاته الرقمية الفائقة،فيرد بالدعابة المناسبة للموقف.

واو،انظر إلى جماله،يستحق بالفعل كل بطاقة عملة دفعت فيه.

نقل صلاح نظراته المستهجنة بينهما،ثم خبط على الكتف المعدنى للوافد الجديد:

- هذا ؟! محال طبعًا،تريدنى أؤدى فقرتى مع آلى اسمه (فبراير)؟!

يفترض أن الروبوت مفصول عن الطاقة تلك اللحظة،ومع ذلك هيئ أن مفصلاته المعدنية انقبضت محتدة،وأن عيناه الزجاجية برقت بكراهية تجاه صلاح.
دخل مساعد المدير مسار الحديث،مهدئًا:

-لماذا يا صلاح؟إنك تعمل تحت برنامج إضاءة رقمى،ومؤثرات صوتية رقمية،فما المانع أن يقف بجوار زميل رقمى أيضًا؟! كما أن ملامحه تشبهك نوعًا،أعتبره شقيقك فى الرضاعة يا أخى!!

 -قلت أن هذا محال،اخترتم لى آليًا مسمى على شهر مقداره 28يومًا،أنا لا أشارك سوى مع شهر 31 يوم على أقل تقدير.

تمعن المدير فى ملامح نجم مسرحه:

-أنت تمزح؟!أليس كذلك؟!

ارتد وجه صلاح -لأول مرة-إلى جدية حقيقة:

-بالطيع أمزح،أتريدنى أن أقف على المسرح،وكى أستعين على إضحاك الناس برجل آلى؟!!

أعلم أنهم دخلوا كل مجالات الحياة،لكن إلا المرح،لطالما قال لنا أستاذ عبد الموجود أن السخرية والضحك هى القلعة الأخيرة لتفرد البشر،فلا يمكن أن أترك الآلة تنازعنا إياها.

تساءل مساعد المدير بحيرة:

-من أستاذ عبد الموجود هذا؟!

-أراك تركت ما نحن فيه،وكل ما لفت نظرك ماهية أ.عبد الموجود؟!عمومًا- لو كان هذا ما سيريحك-هو أستاذ فلسفة العلوم الذى درسنى فى الإبتدائية،آه،بالمناسبة،ذكرنى أن استوحى منه شخصية أؤديها المسرح،فقد تنجح فى ظل هذه الظروف المقرفة،علها تذكرنا بثوابت كثيرة تعلمناها منذ الإبتدائية.

ألتقط المدير دفة النقاش،وواجه صلاح بلهجة باترة:

- هذا صحيح،لأن الواقع أثبت خطأ هذه الثوابت،ويحتم عليك –الآن-أن تنسى كلام أستاذك عبد المتجلى،فأنا مثـ...

صحح صلاح:

-عبد الموجود.

-حسنًا،عبد الموجود،أنا مثله كنت على نفس الإعتقاد،لكن الزمن أثبت العكس،بل –وللعلم- الكوميديان الآلى ليس اختراع وليد اليوم.

بل هو موجود منذ أوائل القرن الحادى العشرين السحيق،وهيئ من وقتها لآداء أصعب أنواع الكوميديا الإرتجالية Stand up Comedy،حتى وصل لشكله الفائق الحالى.

امتطى صلاح جواد الحسم:

-ما دام الحال هكذا،وأنتم مصرون،سيؤدى النمرة وحده.

وبالفعل،ثبت أن صلاح صاحب كلمة مسموعة فى المسرح،فقد تم تنفيذ رغبته حرفيًا،و...وصعد الآلى يؤدى النمرة وحده.

                                                 ******
دارت الدنيا بصلاح،عمل بعدة دور عرض أصغر،وسرعان ما لفظوه بدورهم،فقد اتضح أن المستقبل للآلة كما قال المدير.

لقد فقد مكانه على كل مسرح،وطار ليذهب إلى صالح فبراير آخر، هذا بخلاف ما تلاه من  الماركات الآخرى؛ مارس وإبريل إلخ.

اضطر القدر صلاح إلى اتخاذ قرار جارح،نزفت كرامته وهنًا وانكسارًا وهو يعود مطأطأ الرأس إلى بيته القديم،حيث قصد مسرحه الأول.

وخاطبهم بكلمات متكسرة أنه يقبل،سيؤدى فقراته مع (فبراير).

وقف أمام الآلى تحت دوائر الأضواء وصيحات الجماهير،ووراء قضبان تماسكه تقف دموع حبيسة،تشتاق للتحرر.

إلا أنه فعل ما يفعله أى مونولوجيست محترف،كبت أحزانه،واكتفى بأن يبكى إلى الداخل.

بينما رسمت شفتاه ضحكة زجاجية:

-                     صديقى فبراير ليس آلى عادى ،إنه الإثبات العلمى على أنه حتى قطع الصفيح تستطيع  أن تكون مرحة.

فى 0.2 من الثانية،حدج الكوميديان المعدنى صلاح بكاميراته التى تحل محل العيون،فمسحت-وحداته الإلكترونية المتطورة- كل انفعالات زميله الدفينة.

بعد نصف ثانية،جهز الرد المفحم ببديهته الرقمية التى تحدث عنها المدير ،لولا أنه انتظر أربع ثوان و0.3 آخرى،قدّر أن صيحات الجمهور تحتاجها كى تهدأ بعد عبارة صلاح.

أخيرًا،قال بنبرة آلية تلونت بالقسوة الساخرة:

- نعم،يكفى أننى أن هذا الـ (فبراير) أجلسك فى المنزل لفترة طويلة،عاطلًا عن العمل،وحول حياتك إلى سنة كبيسة.

كتم صلاح غيظه،ذهوله،حزنه.

والأسوأ،أن الجمهور خصّ ضحاته وتفاعله مع آداء فبراير فقط.

فى النهاية،وصل صلاح إلى حافة السقوط،وانفجر.

-ماذا دهااااااااااكم؟؟!!هل صرتم مدمنين لنكات معلبة؟!!تخرج من حنجرة آلية؟!ماذا حدث يا بشر؟!!أو يا من كنتم بشر.

أهذا ما علمته لنا يا عبد الموجود؟!

للعجب،الآن فقط قهقه الجمهور كأعلى ما يكون لكلماته،لا يوجد ما هو أكثر إضحاكًا من مهرج يغرق فى لحظة غضب صادق.

لم ينتظر صلاح انتهاء الفقرة،هبط عن المسرح،وشق المكان مهتاجًا إلى باب الخروج،يدفع من يعترض فى طريقه.

هنا لاحت له ملاحظة غريبة،لا يدرى أهى حقيقية،أم أن عقله الباطن صورها إليه.

لقد هيئ إليه أن قهقهات الجمهور حملت رنة آلية.

                                                                                    ******

زمت الطفلة شفتيها الحزينين:

-         أنت لا تستحق هذا المصير يا عمو ،و...

-"أشك."

هذا عبد الموجود يدلى باعتراضاته المختصرة الصادمة كالعادة،مما صعّب تأثر الفتاة أكثر،وهى تكمل:

-بل حقيقى لا تستحق،أنا آسفة جدًا لما حدث لك، بقدر ما يضايقنى أنه جعل نظرتك للآلات هكذا ؟!قد لا تكون كلها سيئة كما تتصور.

أشاحت الطفلة بوجهها على الجانب الآخر،حيث المطر توقف عن الهطول،وترك جوًا رطبًا من الخواء.

تبلبل عقل صلاح،وهو عاجز عن فهم ماذا تقصد.

يممت الفتاة بصرها نحوه ثانية،ودعته بانحناءة على حجره، لتضع فيه بطاقة عملة آخرى،وانصرفت.

اقشعر صلاح بسبب احتكاك خصلات شعرها بجبينه من ناحية و -على الناحية الآخرى- إثر تأكده من ملحوظة سابقة.

نعم،هناك ثبات وجمود عجيبين فى خطاها،بأكثر مما يمكن يتوفر فى طريقة سير طفلة طبيعية.

نادى صلاح بحروف تضطرب إثر زلزال دهشته:انتظرى،أأنت ...؟؟!

ابتلع الزحام أى أثر للفتاة، فلم يبلغها صيحاته.
أكمل صلاح لنفسه هذه المرة،بهمسة مصعوقة:

-...مثلهم؟؟! ،كنت الوحيدة التى عطفت علىّ.

تدخل عبد الموجود،يغلق صفحة الموقف بدلًا منه،مشيرًا إلى :- إننا كبشر نهجر إنسانيتنا طوال الوقت،فلم نتعجب أو نحسد عندما نجد الآلة تسحبها منا.

هذا ما فاتنى أن أعلمه لك،يا بنى صلاح.
                                                                            (تمت)

هناك تعليقان (2):

المشاركات الشائعة

"